ملا محمد مهدي النراقي

11

جامع السعادات

عن آفاته وموازنتها بتسبيحاته ، حتى لا يكون لها زيادة عليها ليؤخذ منه أجرة نسخ الزائد . فيا عجبا لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفا أن يفوته مقدار قيراط ولا يحتاط خوفا من فوت العليين ومجاورة رب العالمين ! الطائفة الثالثة أهل العلم والمغترون منهم فرق : ( فمنهم ) من اقتصر من العلم على علم الكلام والمجادلة ومعرفة آداب المناظرة ، ليتفاخر في أندية الرجال ويتفوق على الأقران والأمثال ، من غير أن يكون له في العقائد قدم راسخ أو مذهب واحد ، فليختار تارة ذاك وتارة هذا ، وتكون عقيدته كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا ومرة هكذا ، ومع ذلك يظن بغروره أنه أعرف الناس وأعلمهم بالله وبصفاته . و ( منهم ) من اقتصر من العلم على علم النحو واللغة ، أو الشعر أو المنطق ، واغتر به وأفنى عمره فيها ، وزعم أن علم الشريعة والحكمة موقوف عليها ، ولم يعلم أن ما ليس مطلوبا لذاته ويكون وسيلة إلى ما هو مقصود لذاته يجب أن يقتصر عليه بقدر الضرورة ، والتعمق فيه إلى درجات لا تتناهى فضول مستغنى عنها ، وموجب للحرمان عما هو مقصود لذاته . و ( منهم ) من اقتصر على فن المعاملات من الفقه ، المتضمن لكيفية الحكم والقضاء بين الناس ، واشتغل بإجراء الأحكام ، وأعرض عن علم العقائد والأخلاق ، بل عن فن العبادات من الفقه ، وأهمل تفقد قلبه ليتخلى عن رذائل الأخلاق ويتحلى بفضائل الملكات وتفقد جوارحه وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات . و ( منهم ) من حصل فن العبادات أيضا ، بل أحكم العلوم الشرعية بأسرها وتعمق فيها واشتغل ، ولكن ترك العلم الإلهي وعلم الأخلاق ، ولم يحفظ الباطن والظاهر عن المعاصي ، ولم يعمرها بالطاعات . و ( منهم ) من أحكم جميع العلوم من العقلية والشرعية ، وتعمق فيها واشتغل بها ، إلا أنه أهمل العمل رأسا ، أو واضب على الطاعات الظاهرة